السيد محمد تقي المدرسي
356
الفقه الإسلامي (تعليقات على العروة الوثقى ومهذب الأحكام)
الثالث : السفه : السفيه هو الذي ليس له حالة باعثة على حفظ ماله والاعتناء بحاله ، يصرفه في غير موقعه ، ويتلفه بغير محله ، وليست معاملاته مبنية على المكايسه والتحفظ عن المغابنة ، لا يبالي بالانخداع فيها ، يعرفه أهل العرف والعقلاء بوجدانهم إذا وجدوه خارجاً عن طورهم ومسلكهم بالنسبة إلى أمواله تحصيلًا وصرفاً . ( مسألة 1 ) : السفيه محجور عليه شرعاً لا ينفذ تصرفاته في ماله ببيع وصلح وإجارة وهبة وإيداع وعارية وغيرها ، ولا يتوقف حجره على حكم الحاكم على الأقوى « 1 » ولا فرق بين أن يكون سفهه متصلًا بزمان صغره أو تجدد بعد البلوغ ، فلو كان سفيهاً ثم حصل له الرشد ارتفع حجره ، فإن عاد إلى حالته السابقة حُجِرَ عليه ، ولو زالت فك حجره ، ولو عاد عاد الحجر عليه وهكذا . ( مسألة 2 ) : ولاية السفيه للأب والجد ووصيهما إذا بلغ سفيهاً ، وفيمن طرأ عليه السفه بعد البلوغ للحاكم الشرعي « 2 » . ( مسألة 3 ) : كما أن السفيه محجور عليه في أمواله ، كذلك في ذمته بأن يتعهد مالًا أو عملًا ، فلا يصح اقتراضه وضمانه ، ولا بيعه وشراؤه بالذمة ، ولا إجارة نفسه ، ولا جعل نفسه عاملًا في المضاربة أو المزارعة أو المساقاة وغير ذلك . ( مسألة 4 ) : معنى عدم نفوذ تصرفات السفيه عدم استقلاله ، فلو كان بإذن الولي أو إجازته صح ونفذ ، نعم في مثل العتق والوقف مما لا يجري فيه الفضولية يشكل صحته بالإجازة اللاحقة من الولي ، ولو أوقع معاملة في حال سفهه ثم حصل له الرشد فأجازها كانت كإجازة الولي . ( مسألة 5 ) : لا يصح « 3 » زواج السفيه بدون إذن الولي أو إجازته ، لكن يصح طلاقه وظهاره وخلعه ، ويقبل إقراره إذا لم يتعلق بالمال كما لو أقر بالنسب أو بما يوجب القصاص
--> ( 1 ) فيما يتصل بالسلوك الفردي لا يجوز لمن علم من شخص السفه أن يتعامل معه في الأمور المالية ، أما من الناحية الاجتماعية لا يمكن الحكم على أحد بالسفه إلا بحكم الحاكم . ( 2 ) هذا هو المشهور كالمجنون والأحوط مع وجودهما التوافق مع الحاكم . ( 3 ) يبدو أن الرشد شرط صحة كل عقد ، ولكن انعدامه ليس بدرجة واحدة فما دام الفرد غير سوي السلوك يشكل تصرفه في ذات الموضوع الذي يفقد استواء السلوك عرفا فيه ، ولعل العرف يسمي مثله مجنونا أو مخلوطا أو ما أشبه ، وإنما يسمى السفيه في الأمور المالية . ومن هنا فيشكل صحة طلاق أو ظهار من كان سفهه في مثل هذه الأمور أيضا .